البحث الإجرائي: المفهوم، الأهداف، المراحل، وأهميته في تطوير الممارسات التعليمية
في بيئة التعليم المعاصرة، أصبح من الضروري أن يتعامل المعلمون مع المشكلات الصفية بأسلوب علمي قائم على البحث والتجريب، لا على الافتراضات أو الخبرة الشخصية فقط. وهنا يبرز البحث الإجرائي كأداة قوية لتحسين الممارسات التعليمية، وحل المشكلات الفعلية داخل الصف الدراسي. يعد البحث الإجرائي أحد المناهج البحثية التي تدمج بين التخطيط، والتنفيذ، والتقييم في دورة مستمرة من التطوير، مما يمنح المعلم دور الباحث والمطور في الوقت ذاته. وهو ليس حكرًا على المؤسسات الأكاديمية، بل يمكن تطبيقه في أي مجال عملي يحتاج إلى تحسين مستمر.
في هذا المقال، سنتناول البحث الإجرائي بتفصيل علمي، بدءًا من تعريفه، مرورًا بأهدافه وأنواعه، ووصولًا إلى خطوات تنفيذه وأمثلة عملية، مع التركيز على دوره في تطوير التعليم.

ما هو البحث الإجرائي؟
البحث الإجرائي هو نوع من البحث التربوي التطبيقي الذي يهدف إلى حل مشكلة معينة أو تحسين موقف عملي من خلال التخطيط والتنفيذ والتقويم، مع إشراك القائمين على المشكلة في جميع مراحل البحث.
يعتمد البحث الإجرائي على التحليل المباشر للممارسات الواقعية، وجمع بيانات دقيقة، وتنفيذ تدخلات مدروسة، ثم تقييم نتائجها وإعادة التعديل إذا لزم الأمر.
خصائص البحث الإجرائي
يركز على المشكلات الفعلية وليس الافتراضية.
تطبيقي بطبيعته، حيث ينفذ في بيئة العمل الحقيقية.
تشاركي، إذ يشارك فيه المعلمون والطلاب وأحيانًا أولياء الأمور.
مرن، يسمح بالتعديل خلال التنفيذ.
دوري، يعتمد على دورات متكررة من التخطيط والتطبيق والتقييم.
أهداف البحث الإجرائي
- تحسين الأداء التعليمي: عبر تطوير أساليب التدريس بناءً على بيانات حقيقية.
- حل المشكلات الصفية: مثل ضعف التحصيل، أو قلة مشاركة الطلاب.
- تطوير المناهج الدراسية: بإدخال أنشطة أو استراتيجيات جديدة.
- رفع دافعية الطلاب: من خلال ممارسات تعليمية أكثر تفاعلية.
- تنمية مهارات المعلمين: عبر التفكير النقدي والتحليل المستمر لأدائهم.
أنواع البحث الإجرائي
يمكن تصنيف البحث الاجرائي إلى عدة أنواع، أبرزها:
1. البحث الاجرائي الفردي
يقوم به المعلم بمفرده لحل مشكلة يواجهها في صفه، مثل ضعف فهم الطلاب لمفهوم معين في الجغرافيا.
2. البحث الاجرائي الجماعي
يشترك فيه مجموعة من المعلمين أو فريق عمل داخل المدرسة لمعالجة مشكلة مشتركة، مثل تحسين نتائج مادة معينة على مستوى المدرسة.
3. البحث الإجرائي المؤسسي
تنفذه مؤسسة تعليمية كاملة بهدف تطوير سياساتها أو برامجها التعليمية.

شاهد ايضا”
- الاقتصاد الأخضر: الطريق الذكي نحو تنمية مستدامة في عصر التغير المناخي
- جغرافية الطاقة: التوزيع العالمي والتحديات والمستقبل
- التخصصات الأكثر طلباً في عام 2025: كيف يغير التقدم العلمي والتكنولوجي سوق العمل؟
مراحل البحث الإجرائي
1. تحديد المشكلة
يبدأ البحث الاجرائي بتحديد مشكلة واضحة ومحددة من واقع الممارسة الفعلية. على سبيل المثال: ضعف مهارات قراءة الخرائط لدى طلاب الصف الأول الثانوي.
2. جمع البيانات
يتم جمع معلومات دقيقة حول المشكلة باستخدام أدوات مثل:
الملاحظات الصفية
الاختبارات القبلية
المقابلات مع الطلاب
3. وضع خطة التدخل
تصميم خطة عملية لمعالجة المشكلة، تشمل الأنشطة، والوسائل، والجدول الزمني.
4. التنفيذ
تطبيق الخطة في البيئة الصفية، مع تسجيل الملاحظات حول سير العملية.
5. التقييم
إجراء اختبار بعدي أو مقارنة الأداء قبل وبعد التدخل لقياس مدى النجاح.
6. التعديل والتطوير
بناءً على النتائج، يمكن تعديل الخطة أو تكرار التجربة بشكل محسن.
مثال تطبيقي على البحث الإجرائي
الموضوع: تحسين مهارات قراءة وتحليل الخرائط الطبوغرافية
المشكلة: ضعف الطلاب في تفسير الرموز والمقاييس.
التدخل: تنفيذ أنشطة عملية باستخدام خرائط ورقية ورقمية.
النتيجة: ارتفع متوسط درجات الطلاب من 55% إلى 82% بعد التدخل.
أهمية البحث الإجرائي في التعليم
- يساعد على تحسين جودة التدريس.
- يربط النظرية بالممارسة الواقعية.
- يمنح المعلم القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات.
- يشجع على الابتكار في طرق التدريس.
- يعزز التعاون بين المعلمين والطلاب.
التحديات التي قد تواجه البحث الإجرائي
- ضيق الوقت لدى المعلمين.
- نقص التدريب على تصميم البحوث.
- صعوبة جمع البيانات وتحليلها بدقة.
- مقاومة التغيير من بعض الأطراف.
نصائح لنجاح البحث الاجرائي
- اختيار مشكلة واقعية ومحددة.
- استخدام أدوات قياس موثوقة.
- إشراك جميع الأطراف المعنية.
- توثيق جميع مراحل البحث.
- تحليل النتائج بموضوعية.

الخاتمة
البحث الإجرائي ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل هو أداة عملية لتحسين التعليم وحل مشكلاته من داخل الصف. وعندما يمارسه المعلم بانتظام، فإنه يطور نفسه وطلابه في الوقت نفسه. إن دمج البحث الإجرائي في الثقافة المدرسية يخلق بيئة تعليمية قائمة على التجريب، والتحليل، والتحسين المستمر، وهو ما تحتاجه أي منظومة تعليمية تسعى إلى التميز.


شارك المعرفة
الدكتور / يوسف كامل ابراهيم
نبذة عني مختصرة
استاذ الجغرافيا المشارك بجامعة الأقصى
رئيس قسم الجغرافيا سابقا
رئيس سلطة البيئة
عمل مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي
لي العديد من الكتابات و المؤلفات والكتب والاصدارات العلمية والثقافية
اشارك في المؤتمرات علمية و دولية
تابعني على
مقالات مشابهة
د. يوسف ابراهيم
من اختيار الموقع إلى هندسة القرار المكاني: دليل متكامل لأنظمة التحليل المكاني الجغرافي وتوزيع الخدمات في عصر نظم المعلومات الجغرافية والذكاء الجغرافي الاصطناعي
د. يوسف ابراهيم
دمج التعلم الآلي مع الاستشعار عن بعد في نظم المعلومات الجغرافية: تقنيات معالجة الصور الفضائية واكتشاف التغيرات البيئية
د. يوسف ابراهيم
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم المدن: كيف تتغير الجغرافيا الحضرية في عصر الخوارزميات؟
د. يوسف ابراهيم
اتجاهات البحث الجغرافي الحديثة في الجامعات العالمية