الدراسات السابقة في البحث العلمي: من التلخيص الوصفي إلى التوظيف النقدي وبناء الفجوة العلمية
حين يفتح الباحث ملف الدراسات السابقة، فهو لا يتعامل مع فصل تقريري يُضاف إلى الرسالة من باب الاستيفاء الشكلي، بل يدخل إلى قلب العملية البحثية ذاتها. إن الدراسات السابقة في البحث العلمي ليست مجرد سرد لما كتبه الآخرون، وليست قائمة مراجع مُزخرفة، بل هي البنية التحتية التي يقوم عليها البناء المعرفي الجديد. كل بحث علمي رصين يبدأ من سؤال: ماذا كُتب قبلنا؟ وكيف نضيف إلى هذا التراكم المعرفي؟ هنا تحديدًا تتجلى قيمة فصل الدراسات السابقة.
في المنهجية البحثية الحديثة، لم يعد عرض الدراسات السابقة خطوة إجرائية نمطية، بل أصبح معيارًا حاسمًا للحكم على عمق الباحث، ووعيه النقدي، وقدرته على تحليل الأدبيات العلمية وتحويلها إلى أرضية انطلاق نحو الإضافة العلمية. فالباحث الحقيقي لا يكتفي بتلخيص ما قرأ، بل يُعيد تنظيمه، ويحلله، ويقارنه، ويستخرج منه الفجوة البحثية التي تمنح دراسته مشروعيتها الأكاديمية.
هذا المقال يتناول الدراسات السابقة بوصفها ركيزة أساسية في منهجية البحث العلمي، ويحلل مفهومها، أهميتها، طرق عرضها، آليات نقدها، وكيفية توظيفها في مقدمة الأطروحة وبناء الفجوة العلمية، وفق رؤية تحليلية متكاملة تراعي شروط الكتابة الأكاديمية، وتنسجم مع معايير الجودة العلمية وتحسين محركات البحث.

أولًا: المدخل المفاهيمي للدراسات السابقة في البحث العلمي
ما المقصود بالدراسات السابقة؟
يمكن تعريف الدراسات السابقة بأنها مجموعة الأبحاث العلمية المنشورة، ذات الصلة المباشرة بموضوع الدراسة، والتي يعود إليها الباحث من أجل فهم الإطار النظري، وتحليل الاتجاهات المنهجية، وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف، وبناء الفجوة البحثية التي تعالجها الدراسة الحالية.
ليست الدراسات السابقة مجرد مصادر معلومات، بل هي حوار علمي ممتد عبر الزمن. الباحث حين يقرأها لا يقرأ نصوصًا منفصلة، بل يدخل في شبكة من الأفكار المتداخلة، النظريات المتعارضة، النتائج المتقاربة أو المتناقضة. ومن هنا فإن توظيف الدراسات السابقة يتطلب وعيًا فلسفيًا بطبيعة المعرفة العلمية بوصفها معرفة تراكمية.
الفرق بين “المراجع” و“الدراسات السابقة”
كثير من طلبة الدراسات العليا يقعون في خطأ الخلط بين المراجع والدراسات السابقة. المراجع قد تشمل كتبًا نظرية، تقارير، تشريعات، مقالات عامة، بينما الدراسات السابقة هي أبحاث علمية منشورة تناولت مشكلة قريبة أو مشابهة لموضوع البحث.
المراجع تمد الباحث بالمفاهيم والإطار النظري، أما الدراسات السابقة فتُمده بالمعالجة التطبيقية، والمنهجية المستخدمة، والنتائج التي تم التوصل إليها. لذلك فإن قوة فصل الدراسات السابقة تُقاس بمدى ارتباط الدراسات المختارة بمشكلة البحث تحديدًا، لا بمدى كثرتها.
التحول في التعامل مع الدراسات السابقة
في المنهج التقليدي، كانت خطة البحث تقتصر على ذكر عناصر مثل عنوان الدراسة، المنهج، الأدوات، الفرضيات، النتائج. أما اليوم فقد تطور البحث العلمي ليجعل الدراسات السابقة جزءًا جوهريًا من الإطار النظري، لا مجرد عنصر ملحق.
أصبحت الدراسات السابقة تؤدي وظائف متعددة:
- تحديد موقع البحث ضمن الأدبيات العلمية.
- الكشف عن الفجوة البحثية.
- تجنب تكرار الأخطاء المنهجية.
- دعم أو تعديل الفرضيات.
- توجيه أدوات القياس وأساليب التحليل.
وهذا التحول يعكس تطورًا في فهم طبيعة المعرفة العلمية، التي لا تُبنى من فراغ، بل من خلال تفاعل مستمر مع ما سبقها.
ثانيًا: الأهمية العلمية والمنهجية للدراسات السابقة في البحث العلمي
- تأسيس الخلفية النظرية
تساعد الدراسات السابقة الباحث على فهم الأطر النظرية التي عالجت المشكلة محل الدراسة. ومن خلال تحليل تلك الأطر، يمكن تحديد أي النظريات أكثر ملاءمة لتفسير الظاهرة المدروسة.
في هذا السياق، تمثل الدراسات السابقة الأساس الذي يُبنى عليه الإطار النظري، فلا يمكن صياغة إطار نظري متماسك دون الرجوع إلى نتائج الدراسات التطبيقية السابقة.
- صياغة المشكلة البحثية بدقة
قراءة الأدبيات العلمية تكشف للباحث كيف عُولجت المشكلة في سياقات مختلفة، وما الجوانب التي لم تُعالج. هنا تبدأ ملامح الفجوة البحثية بالظهور. وقد تكون الفجوة:
- فجوة تطبيقية (غياب التطبيق في سياق معين).
- فجوة منهجية (استخدام مناهج غير مناسبة).
- فجوة نظرية (قصور في التفسير).
- فجوة زمنية (تغير الظروف والسياقات).
- تجنب الأخطاء المنهجية
الدراسات السابقة بمثابة “جرس إنذار” للباحث. فمن خلالها يمكن اكتشاف:
- قصور في حجم العينة.
- ضعف في أدوات القياس.
- انحياز في تفسير النتائج.
- تعميم غير مبرر.
وهذا الوعي المنهجي يمنح البحث الحالي قوة علمية أكبر.
- دعم المناقشة العلمية لاحقًا
عند الوصول إلى مرحلة مناقشة النتائج، يعود الباحث إلى الدراسات السابقة ليقارن نتائجه بما توصل إليه الآخرون. إن لم يكن هذا الفصل مكتوبًا بوعي وتحليل، تصبح المقارنة سطحية وغير مقنعة.
ثالثًا: أسس تلخيص الدراسات السابقة بطريقة أكاديمية رصينة
تلخيص الدراسات السابقة ليس عملية نقل مختصر، بل عملية تحليل منهجي يتضمن عناصر محددة:
- اسم الباحث.
- سنة النشر.
- عنوان الدراسة.
- أهداف الدراسة.
- منهجية البحث.
- حجم العينة.
- أدوات الدراسة.
- أهم النتائج.
- أبرز التوصيات.
لكن هنا نقطة جوهرية: هذه العناصر ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء تحليل نقدي.
الفرق بين التلخيص الوصفي والتحليلي
التلخيص الوصفي يكتفي بسرد ما قامت به الدراسة.
أما التلخيص التحليلي فيجيب عن أسئلة أعمق:
- ماذا أضافت الدراسة؟
- ما نقاط قوتها المنهجية؟
- أين يكمن قصورها؟
- كيف ترتبط بمشكلة البحث الحالي؟
الباحث المتمكن لا يكتفي بعرض النتائج، بل يربطها بسياق أوسع، ويضعها ضمن شبكة معرفية متكاملة.
مما سبق يتضح ان الدراسات السابقة ليست فصلًا تقنيًا في الرسالة العلمية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الباحث على التفكير النقدي، والتحليل المقارن، وبناء الفجوة البحثية. من خلالها يتحدد ما إذا كان البحث الجديد إضافة معرفية أم تكرارًا محسّنًا لما سبق.

رابعًا: طرق عرض وتنظيم الدراسات السابقة في البحث العلمي
لا توجد طريقة واحدة “صحيحة” لعرض الدراسات السابقة. توجد طرق مناسبة لسياقات معينة، وغير مناسبة لسياقات أخرى. والخلل الشائع ليس في اختيار الطريقة فقط، بل في الاعتقاد أن الطريقة تُغني عن التحليل. لا طريقة تنقذك إن لم يكن لديك عقل نقدي.
1) طريقة Annotated Bibliography: القائمة المشروحة
هذه الطريقة تقوم على عرض كل دراسة بشكل منفصل وفق الصيغة الآتية:
- اسم الباحث وسنة النشر.
- عنوان الدراسة.
- أهدافها.
- منهجها.
- أدواتها.
- نتائجها.
- تعليق مختصر في النهاية.
ظاهريًا تبدو هذه الطريقة منظمة وواضحة، وهي شائعة في رسائل الماجستير والدكتوراه. لكنها تحمل إشكالية عميقة:
إذا لم يُضف الباحث تحليلًا مقارنًا، تتحول هذه الطريقة إلى ما يشبه “قائمة مراجع موسعة”، أي عرض ميكانيكي بلا روح تحليلية.
أبرز عيوبها المنهجية
- لا تُظهر العلاقات بين الدراسات.
- لا تكشف بوضوح أوجه الاتفاق والاختلاف.
- قد تُخفي الفجوة البحثية بدل أن تُبرزها.
- تُغري الباحث بالاكتفاء بالسرد بدل النقد.
لذلك، إن استُخدمت هذه الطريقة، يجب أن يتبع كل مجموعة من الدراسات تحليل تجميعي يقارن بينها، لا أن تُترك كجزر معرفية منفصلة.
2) طريقة التسلسل التاريخي: تتبع تطور الفكرة
في بعض الموضوعات – خصوصًا تلك المرتبطة بالنظريات أو المفاهيم التي تطورت عبر الزمن – يكون العرض الزمني مفيدًا للغاية. يبدأ الباحث بأقدم دراسة ثم ينتقل تدريجيًا إلى الأحدث.
هذه الطريقة تكشف:
- كيف تطور المفهوم.
- كيف تغيّرت المناهج.
- كيف اختلفت التفسيرات.
- ما التحولات الكبرى في فهم الظاهرة.
لكنها تصبح خطرة إن تحولت إلى سرد تاريخي دون تحليل نقدي. التسلسل الزمني يجب أن يقود إلى سؤال: ماذا تغير؟ ولماذا؟ وهل ما زال الإطار النظري صالحًا اليوم؟
3) طريقة الموضوعات المحددة: التحليل المحوري
هذه الطريقة أكثر نضجًا من السابقتين. هنا لا تُعرض الدراسات واحدة تلو الأخرى، بل تُصنف وفق محاور محددة، مثل:
- دراسات تناولت العلاقة بين المتغير (أ) و(ب).
- دراسات ركزت على الجانب المنهجي.
- دراسات أجريت في سياقات مختلفة.
- دراسات استخدمت أدوات متنوعة.
بهذا التصنيف، يبدأ الباحث في بناء شبكة مقارنة واضحة. القارئ يرى الاتجاهات، لا مجرد أسماء.
هذه الطريقة تُناسب البحوث التطبيقية، والبحوث التي تتناول متغيرات متعددة، وتُسهم بقوة في بناء الفجوة العلمية.
4) طريقة خرائط المفاهيم
في الموضوعات المركبة، قد يستخدم الباحث خرائط مفاهيم لتوضيح التدرج الشجري للأفكار، أو العلاقات بين المتغيرات كما عالجتها الدراسات السابقة.
الفائدة هنا ليست في الشكل، بل في إعادة تنظيم المعرفة.
حين يُعيد الباحث ترتيب الدراسات ضمن خريطة مفاهيمية، فإنه يُمارس فعلًا معرفيًا عميقًا: هو لا ينقل الأدبيات، بل يُعيد تشكيلها.
5) طرق أخرى أقل شيوعًا
- طريقة السبب والنتيجة: تصنيف الدراسات وفق العوامل المسببة والنتائج.
- طريقة المقارنة بين المتشابهات والمختلفات.
- التصنيف وفق نوع المنهج (كمّي، نوعي، مختلط).
- لكن مهما كانت الطريقة المختارة، هناك قاعدة ذهبية:
- طريقة العرض لا تُغني عن التحليل النقدي.
خامسًا: كيفية توظيف الدراسات السابقة في مقدمة الأطروحة
الخطأ الشائع أن يبدأ الباحث مقدمة أطروحته بعموميات، ثم ينتقل فجأة إلى مشكلة بحثه دون ربطها بسياق معرفي.
المقدمة القوية يجب أن تُظهر:
- ما الذي نعرفه عن الموضوع؟
- ما الذي لا نعرفه؟
- لماذا لا نعرفه؟
- ولماذا هذه الدراسة ضرورية الآن؟
- الدراسات السابقة هنا لا تُذكر لمجرد الإشارة، بل تُستخدم لبناء منطق الحاجة إلى البحث.
- كيف يتم هذا عمليًا؟
- عرض موجز لأهم الاتجاهات البحثية في الموضوع.
- الإشارة إلى نقاط الاتفاق العامة.
- إبراز التناقضات أو القصور.
- الانتقال المنطقي إلى الفجوة البحثية.
- الجملة المفصلية في المقدمة ليست:
- “لم تتناول الدراسات السابقة هذا الموضوع.” بل:
- “رغم تناول الدراسات السابقة للموضوع من زوايا متعددة، إلا أنها لم تعالج …”
- هنا يظهر الوعي.

شاهد ايضا”
- تطوير معلم الجغرافيا في ضوء المتغيرات التكنولوجية الحديثة
- المدن الذكية وعلاقتها بالجغرافيا
- نظم المعلومات الجغرافية GIS: المفاهيم، الأسس، والتطبيقات 2024
- علم الجيوماتيكس Geomatics: الأهمية، الاستخدامات، الأدوات والبرامج المستخدمة
- دور الذكاء الاصطناعي في التعليم الجغرافي وتحسين أداء معلمي الجغرافيا
سادسًا: بناء الفجوة العلمية
الفجوة البحثية ليست إعلانًا عن غياب الدراسات. أحيانًا يكون هناك عشرات الدراسات، ومع ذلك توجد فجوة.
أنواع الفجوات تشمل:
- فجوة نظرية: ضعف التفسير أو قصور في الإطار النظري.
- فجوة منهجية: استخدام أدوات غير دقيقة أو عينات محدودة.
- فجوة سياقية: غياب التطبيق في بيئة معينة.
- فجوة زمنية: تغير الظروف بعد الدراسات السابقة.
كيف نكتشف الفجوة؟
- ليس عبر الادعاء، بل عبر التحليل المقارن.
- هل استخدمت الدراسات السابقة نفس المنهج دائمًا؟
- هل اقتصرت على سياق جغرافي معين؟
- هل تجاهلت متغيرًا مؤثرًا؟
- هل كانت النتائج متناقضة دون تفسير؟
- الفجوة تُبنى منطقيًا، لا تُعلن اعتباطًا.
- سابعًا: النقد العلمي للدراسات السابقة
- النقد ليس تقليلًا من شأن الآخرين.
النقد هو فحص منهجي.
1) نقد المحتوى
- هل الإطار النظري شامل؟
- هل المفاهيم واضحة؟
- هل هناك انحياز في عرض الأفكار؟
2) نقد المنهجية
- هل المنهج مناسب لطبيعة المشكلة؟
- هل أدوات القياس صادقة وثابتة؟
- هل حجم العينة كافٍ؟
- النقد هنا يجب أن يكون مدعومًا بأدلة، لا برأي شخصي.
3) نقد العينة
- أحيانًا تكون النتائج قوية، لكن العينة صغيرة جدًا.
- أو غير ممثلة إحصائيًا.
- أو مقتصرة على فئة واحدة.
- هذا ليس هجومًا، بل تحليل.
4) نقد النتائج
- هل التحليل منطقي؟
- هل الاستنتاجات متناسبة مع البيانات؟
- هل هناك تعميم مفرط؟
ثم تأتي الخطوة الأهم:
مقارنة نتائج الدراسة الحالية بتلك النتائج، مع تفسير أسباب الاتفاق أو الاختلاف.
ثامنًا: من المقارنة إلى التعليل
المقارنة وحدها لا تكفي.
أن تقول: “اتفقت هذه الدراسة مع دراسة فلان” لا يضيف قيمة.
السؤال الأعمق:
- لماذا اتفقت؟
- ولماذا اختلفت؟
- هل السبب اختلاف السياق؟
- المنهج؟
- العينة؟
- الفترة الزمنية؟
هنا تتحول المناقشة من عرض إلى تحليل، ومن تحليل إلى إسهام معرفي.
تاسعًا: العلاقة بين الدراسات السابقة ونتائج البحث العلمي الحالي
بعد جمع البيانات وتحليلها، يعود الباحث إلى الأدبيات السابقة.
الخطوة الصحيحة ليست البحث عن دراسات “تؤيد” النتائج، بل البحث عن دراسات:
- تتفق.
- تختلف.
- تقدم تفسيرًا مختلفًا.
- هنا تتضح قيمة الدراسات السابقة:
- هي ليست خلفية، بل أداة تفسير.
مما سبق يتضح ان الدراسات السابقة ليست ركنًا تقنيًا في خطة البحث العلمي، بل هي قلب المنهجية البحثية.
طريقة عرضها، وتحليلها، ونقدها، وبناء الفجوة منها، كلها مؤشرات على مستوى الباحث العلمي.
عاشرًا: الأخطاء المنهجية الشائعة في فصل الدراسات السابقة
حين تُراجع عشرات الرسائل الجامعية، ستلاحظ نمطًا متكررًا من الأخطاء. ليست أخطاء لغوية. الأخطاء هنا فكرية ومنهجية. والخلل في هذا الفصل تحديدًا يُضعف البحث كله، مهما كانت نتائجه قوية.
1) السرد التقريري دون تحليل
أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتحول فصل الدراسات السابقة إلى قائمة عرض:
- “هدفت دراسة فلان إلى… واستخدمت المنهج… وتوصلت إلى…”
- ثم تنتقل مباشرة إلى الدراسة التالية.
- لا مقارنة.
- لا نقد.
- لا تحليل.
هذا ليس فصل دراسات سابقة، بل ملخصات متجاورة. الباحث هنا لا يُفكر، بل يُنقل.
2) إدراج دراسات غير مرتبطة مباشرة بالمشكلة
أحيانًا يسعى الباحث إلى إظهار سعة اطلاعه، فيُدرج دراسات بعيدة الصلة. النتيجة؟ تضخم في الصفحات دون قيمة علمية حقيقية.
الدراسة السابقة يجب أن تمس مشكلة البحث بشكل مباشر أو غير مباشر واضح. كل دراسة لا تخدم الفجوة البحثية يجب أن تُستبعد.
3) غياب الربط بين الدراسات السابقة وبقية فصول البحث
فصل الدراسات السابقة ليس معزولًا. يجب أن يظهر أثره في:
- صياغة الفرضيات.
- اختيار المنهج.
- بناء الأداة.
- تفسير النتائج.
- إذا لم يظهر هذا الترابط، فالفصل مجرد إجراء شكلي.
4) الادعاء بغياب الدراسات
من أخطر العبارات في البحث العلمي:
- “لم تتناول أي دراسة هذا الموضوع.”
- نادراً ما يكون هذا صحيحًا. وغالبًا ما يدل على ضعف في البحث عن الأدبيات العلمية.
- الأصح أن يقول الباحث:
- “لم تتناول الدراسات السابقة هذا الموضوع في سياق…”
أو
- “لم تعالج الدراسات السابقة المتغير…”
- الدقة هنا علامة وعي منهجي.
5) غياب الفجوة البحثية الواضحة
- كثير من الرسائل تعرض عشرات الدراسات، لكنها لا تُحدد بوضوح:
- ما الذي ستضيفه هذه الدراسة؟
- الفجوة يجب أن تُكتب بوضوح منطقي، لا أن تُترك للقارئ ليستنتجها.
حادي عشر: المعايير التي تميز فصل الدراسات السابقة القوي
ما الذي يجعل لجنة المناقشة تقول: “هذا فصل قوي”؟
1) الترابط الداخلي
الدراسات ليست مبعثرة، بل مرتبة وفق منطق واضح:
- زمني.
- موضوعي.
- منهجي.
- مفاهيمي.
2) التحليل النقدي الموضوعي
النقد لا يكون هجوميًا ولا مجاملًا.
هو تحليل يستند إلى:
- معايير منهجية.
- منطق علمي.
- أدلة واضحة.
3) وضوح الفجوة البحثية
يجب أن يستطيع القارئ تحديد الفجوة في فقرة واحدة مركزة.
4) الارتباط المباشر بالدراسة الحالية
القارئ يجب أن يرى:
- كيف أثرت الدراسات السابقة في اختيار المنهج.
- كيف وجهت بناء الأداة.
- كيف دعمت تفسير النتائج.
ثاني عشر: نموذج تطبيقي لفقرة دراسات سابقة احترافية
لنأخذ مثالًا افتراضيًا في مجال تربوي لتوضيح البناء الصحيح:
“تناولت دراسة (الفلاني، 2020) أثر استخدام استراتيجيات التعلم النشط على تحصيل الطلبة، مستخدمة المنهج شبه التجريبي على عينة بلغت (120) طالبًا، وتوصلت إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية لصالح المجموعة التجريبية. وفي السياق ذاته، أكدت دراسة (الفلاني، 2022) النتائج نفسها، لكنها اعتمدت على منهج وصفي تحليلي بعينة أصغر حجمًا، مما يحد من قابلية تعميم نتائجها. ورغم اتفاق الدراستين على فاعلية الاستراتيجية، إلا أنهما لم تتناولا أثرها على متغير الدافعية للتعلم، كما اقتصرتا على بيئات حضرية دون الريفية، وهو ما تسعى الدراسة الحالية إلى معالجته من خلال…”
لاحظ البناء:
- عرض.
- مقارنة.
- نقد.
- فجوة.
- انتقال منطقي.
- هذا هو الفرق بين السرد والتوظيف المنهجي.
ثالث عشر: الدراسات السابقة بوصفها أداة تفسير لا خلفية فقط
في مرحلة مناقشة النتائج، يعود الباحث إلى الدراسات السابقة لا ليكررها، بل ليحاورها.
إذا اتفقت النتائج:
- لماذا؟
- هل السبب تشابه السياق؟
- المنهج؟
- الأداة؟
- إذا اختلفت:
- لماذا؟
- هل تغيرت الظروف؟
- هل كان المنهج مختلفًا؟
- هل العينة مختلفة؟
الدراسات السابقة هنا تتحول من “معلومات” إلى “أداة تحليل”.
رابع عشر: البعد الأخلاقي في توظيف الدراسات السابقة في البحث العلمي
الدراسات السابقة تمثل مظهرًا أخلاقيًا مزدوجًا:
- احترام جهود الباحثين السابقين.
- نسب الأفكار لأصحابها بدقة عبر التوثيق العلمي.
- الاقتباس غير المنضبط، أو النقل دون تحليل، لا يُضعف البحث فقط، بل يُفقده مصداقيته.
خامس عشر: الدراسات السابقة وتراكم المعرفة العلمية
- العلم لا يبدأ من الصفر.
- كل دراسة تُضيف لبنة في بناء معرفي متراكم.
- فصل الدراسات السابقة يُظهر أن الباحث:
- يُدرك هذا التراكم.
- يعرف موقعه فيه.
- يُحدد بدقة ما سيضيفه.
من دون هذا الوعي، يتحول البحث إلى عمل معزول لا يمتد أثره.

الخاتمة
الدراسات السابقة في البحث العلمي ليست فصلًا تقنيًا يُضاف لإكمال هيكل الرسالة، بل هي العمود الفقري الذي يحدد قيمة البحث، وعمق الباحث، وصدق الإضافة العلمية. من خلالها يتضح:
- مدى إلمام الباحث بالأدبيات العلمية.
- قدرته على التحليل والنقد.
- وعيه المنهجي.
- مهارته في بناء الفجوة البحثية.
- قدرته على ربط الماضي بالحاضر لإنتاج معرفة جديدة.
الانتقال من التلخيص الوصفي إلى التوظيف النقدي هو الانتقال الحقيقي من مستوى الطالب إلى مستوى الباحث. وكلما كان فصل الدراسات السابقة أكثر ترابطًا، وتحليلًا، ونقدًا، وبناءً منطقيًا للفجوة العلمية، كلما ازدادت قوة البحث ومشروعيته الأكاديمية.
إن الباحث الذي يُحسن قراءة الدراسات السابقة، يُحسن كتابة بحثه.
والباحث الذي يكتفي بسردها، يبقى في دائرة النقل لا الإضافة.
وهنا يكمن الفرق بين من يكتب رسالة… ومن يبني معرفة.


شارك المعرفة
الدكتور / يوسف كامل ابراهيم
نبذة عني مختصرة
استاذ الجغرافيا المشارك بجامعة الأقصى
رئيس قسم الجغرافيا سابقا
رئيس سلطة البيئة
عمل مع وزارة التخطيط والتعاون الدولي
لي العديد من الكتابات و المؤلفات والكتب والاصدارات العلمية والثقافية
اشارك في المؤتمرات علمية و دولية
تابعني على
مقالات مشابهة
د. يوسف ابراهيم
الثورة الجغرافية الرابعة: الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف علم الخرائط
د. يوسف ابراهيم
الفارق الزمني بين روسيا وأمريكا كبير رغم القرب الجغرافي …لماذا؟؟